حين لا يتكلّم الطفل بالقدر المتوقّع، أو حين يصعب على الآخرين فهم كلامه، من الطبيعي أن يخطر على بال الأهل أنّ اللغتين في البيت هما السبب. وكثير من العائلات يُقال لها ذلك صراحةً، أحياناً من أشخاص يثقون بهم. لذلك من المهم أن نقولها بوضوح: الأدلّة لا تدعم ذلك.
الجواب المختصر
تعلّم الطفل لغتين منذ الصغر لا يُسبّب تأخّراً في النطق أو اللغة، ولا يُسبّب اضطراب اللغة النمائي (Developmental Language Disorder)، وهو صعوبة مستمرّة في تعلّم اللغة وفهمها واستخدامها. فثنائية اللغة ليست اضطراباً، ولا تُظهر الأبحاث أنّ صعوبات النطق واللغة أكثر شيوعاً لدى الأطفال ثنائيي اللغة من غيرهم.[1][2][3]
هذا لا يعني أنّ قلقكم في غير محلّه. الطفل ثنائي اللغة قد تكون لديه فعلاً صعوبة تواصل حقيقية. لكنّ اللغتين ليستا السبب، والتخلّي عن إحداهما لن يحلّ الأمر.
النطق واللغة ليسا الشيء نفسه
كثيراً ما يختلط المصطلحان، والفرق بينهما مهمّ حين تحاولون فهم ما ترونه. النطق (speech) يتعلّق بكيفية قول الأصوات والكلمات بوضوح: أن يقول طفلكم «تلب» بدل «كلب»، أو أن يحذف نهايات الكلمات. أمّا اللغة (language) فتتعلّق بفهم الكلمات والجمل واستخدامها. قد يكون نطق الطفل واضحاً جداً لكنّ مفرداته قليلة، وقد يكون لديه الكثير ليقوله لكن يصعب فهمه.
ماذا تقول الأبحاث
في دراسة نُشرت عام 2025 وتابعت الأطفال مع مرور الوقت، قارن الباحثون 302 طفلاً ثنائي اللغة بـ302 طفلاً يتعلّمون لغة واحدة وكانت أعمارهم وخصائصهم متشابهة. وسجّلوا محطّات مثل المناغاة والكلمة الأولى والكلمة الخمسين وأوّل جملة من كلمتين. والنتيجة ببساطة: وصل الأطفال ثنائيو اللغة إلى هذه المحطّات في أعمار مشابهة.[4]
وهناك نقطة مهمّة: إذا نظرنا إلى لغة واحدة فقط، قد يعرف الطفل ثنائي اللغة كلمات أقلّ فيها من طفل يتعلّم تلك اللغة وحدها، لأنّ تعرّضه موزّع بين لغتين. وهذا لا يعني بالضرورة أنّه متأخّر؛ بل إنّ جزءاً من كلماته موجود في لغته الأخرى.[5] ولهذا فإنّ النظر إلى اللغتين معاً يعطي صورة أعدل.
النظر إلى لغة واحدة يُقلّل من تقدير ما يعرفه طفلكم
إذا قال طفلكم «سيارة» بالعربية و«ball» بالإنجليزية، فهاتان كلمتان يستطيع استخدامهما. حساب لغة واحدة فقط يجعل حصيلته تبدو أصغر ممّا هي عليه. وهذا مثال يوضّح الفكرة: الطفل ثنائي اللغة الذي يعرف خمسين كلمة في كلّ لغة قد يبدو وكأنّه يعرف كلمات أقلّ من طفل يعرف تسعين كلمة إنجليزية، مع أنّ مجموع الكلمات التي يستخدمها في اللغتين أكبر.[6]
ولهذا قد ينظر الأخصائي إلى كلمات الطفل في اللغتين معاً. ويمكنه أن يحسب كلّ الكلمات التي يستخدمها، أو أن يحسب «سيارة» و«car» على أنّهما تعبيران عن المفهوم نفسه. المهمّ ألّا يُحكم على مفردات الطفل من لغة واحدة فقط.
وفي دراسة أخرى شملت 595 طفلاً يتحدّثون الإسبانية والإنجليزية، اختلفت نتائج الأطفال كثيراً بحسب مقدار تعرّضهم لكلّ لغة عندما اختُبرت كلّ لغة وحدها. لكن حين نظر الباحثون إلى أفضل ما يستطيع الطفل فعله عبر اللغتين، أصبحت الصورة أدقّ. وهذا مهمّ لأنّ تقييم الطفل بلغة واحدة فقط قد يجعل الأخصائي يظنّ أنّ هناك اضطراباً غير موجود، أو يفوّت صعوبة موجودة فعلاً.[7]
ومن الطبيعي أيضاً أن تكون إحدى اللغتين أقوى من الأخرى. الطفل الذي يسمع العربية في البيت والإنجليزية في الحضانة قد يعرف عن الألوان بالإنجليزية أكثر، وعن الطعام بالعربية أكثر. هذا يعكس أين يقضي وقته، لا قدرته. اسألوا معلّمات الحضانة عمّا يفهمه طفلكم عندهنّ، فقد لا ترون سوى جزء من الصورة.
خلط اللغتين ليس تشويشاً
استخدام كلمات من اللغتين في الجملة نفسها أمر طبيعي لدى الأطفال ثنائيي اللغة. ويُسمّى ذلك أحياناً خلط اللغتين (code-mixing)، ولا يعني أنّ الطفل مشوّش بينهما. وللأطفال أسباب وجيهة لاستخدام اللغتين معاً، إذ يلجأون غالباً إلى الكلمة التي يعرفونها حين لا يتذكّرون الكلمة في اللغة الأخرى. وحتى الأطفال الصغار جداً يغيّرون اللغة أو الكلمات التي يستخدمونها بحسب الشخص الذي يتحدّثون معه.[6] ولا حاجة إلى تصحيح الطفل كلّما استخدم اللغتين معاً.
ملاحظة للعائلات الناطقة بالعربية
العربية فيها عامل إضافي لا تتناوله كثير من النصائح المكتوبة بالإنجليزية. قد يسمع طفلكم لهجة محكيّة في البيت، ويلتقي بالفصحى في الكتب والمدرسة، ويستخدم الإنجليزية في مكان ثالث.
وجدت إحدى الدراسات أنّ الأطفال كانوا يجدون صعوبة أكبر في تكرار كلمات تحتوي أصواتاً موجودة في الفصحى وليست موجودة في لهجتهم اليومية، وكان هذا الفرق أكبر لدى الأطفال الذين لديهم اضطراب لغوي.[8] أي أنّ الطفل إذا أخطأ في كلمة فصيحة لا يستخدمها في حياته اليومية، فهذا لا يعني بالضرورة أنّ لديه صعوبة لغوية. ولهذا يحتاج الأخصائي أن يعرف أيّ لهجة يسمعها طفلكم فعلاً.
والأبحاث في هذا المجال ما زالت محدودة مقارنةً بالإنجليزية. ولهذا يكون وصفكم لما يسمعه طفلكم ويقوله في البيت جزءاً مهماً جداً من التقييم.
ما الذي يمكنكم تجربته في البيت
استمرّوا بالتحدّث مع طفلكم باللغة التي تشعرون فيها بالراحة، أثناء اللعب والوجبات والاستحمام وقراءة القصص. لا حاجة إلى ترك لغة البيت أو التقليل منها.[5] والنصيحة هي أن يستخدم الأهل اللغات التي يستطيعون التحدّث بها بطبيعية وراحة.[2] فالحديث الدافئ والعفوي يفيد طفلكم أكثر من إجبار أنفسكم على استخدام لغة لا تشعرون فيها بالراحة نفسها.
بعض ما يساعد عادةً:
- تابعوا ما يهتمّ به طفلكم وعلّقوا عليه، بدل أن تطلبوا منه تسمية الأشياء. اتركوا لطفلكم فرصة أن يبدأ التواصل، واستجيبوا، ثم انتظروا عدّة ثوانٍ لتعطوه فرصة للردّ بطريقته.[2]
- كرّروا ما يقوله وأضيفوا إليه قليلاً. إذا قال «سيارة»، قولوا: «إي، السيارة ماشية!»
- اقبلوا الإجابة بأيّ من اللغتين، من دون أن تطلبوا إعادتها باللغة الأخرى.
- احتفظوا بقائمة قصيرة بالكلمات التي يستخدمها في كلّ لغة. تعطي صورة أوضح، وهي مفيدة جداً للأخصائي.
- تجنّبوا تحويل الحديث إلى اختبار بكثرة أسئلة مثل «شو هذا؟» أو مطالبة الطفل بأن يقول كلمة معيّنة. هذا لا يشجّع الكلام عادةً بقدر ما يفعل الحديث واللعب معه بشكل طبيعي.
وليس عليكم استخدام كلّ هذه الأفكار. اختاروا ما يناسب طفلكم وروتين عائلتكم.
متى يستحقّ الأمر استشارة أخصائي النطق واللغة
هذه ليست قائمة تشخيصية، ولا يعني وجود واحدة منها بالضرورة أنّ لدى طفلكم اضطراباً. لكنها أسباب وجيهة لطلب المشورة.
- طفلكم يفقد كلمات أو مهارات كانت لديه.
- تقدّم قليل أو معدوم خلال عدّة أشهر في أيٍّ من اللغتين.
- يجد صعوبة في فهم كلمات مألوفة أو تعليمات بسيطة في لغاته جميعها.
- لديه محاولات قليلة جداً للتواصل، سواء بالكلمات أو الأصوات أو الإشارات.
- كلامه أصعب على الفهم ممّا تتوقّعون في عمره، في اللغتين معاً.
- صعوبات التواصل تسبّب إحباطاً واضحاً، أو تؤثّر في مشاركته في البيت أو الحضانة أو المدرسة.
- ما زلتم أنتم أو معلّموه قلقين، حتى بعد أن قيل لكم إنّ السبب «مجرّد ثنائية لغة».
- يُنصح بفحص السمع أيضاً عند وجود أيّ قلق بشأنه.
لا داعي لانتظار مرور محطّة عمرية معيّنة. إن كنتم قلقين، فهذا سبب كافٍ.
كيف يبدو التقييم الجيّد
يجب أن ينظر التقييم إلى اللغات التي يسمعها طفلكم ويستخدمها، لا إلى لغة واحدة فقط.[1] وقد يشمل ذلك الاستماع إلى الطفل وهو يتحدّث أو يلعب في أكثر من لغة، وسؤالكم عمّا يقوله ويفهمه في البيت، والاستعانة بمترجم شفهي عند الحاجة.[9] ومن المهم أيضاً أن يعرف الأخصائي أنّ بعض الأخطاء قد تنتج ببساطة عن تأثير لغة في أخرى، ولا تعني وجود اضطراب.
ولا يشترط أن يتحدّث الأخصائي العربية حتى يكون التقييم مفيداً. يمكنه العمل مع مترجم شفهي أو زميل يتحدّث اللغة، وسؤالكم بالتفصيل عن اللغات التي يسمعها طفلكم ومتى يستخدم كلّ واحدة منها، وملاحظة كلامه بطرق لا تعتمد على اختبار معياري واحد فقط.[10] ومشاركتكم هنا مهمّة، لأنكم تعرفون كيف يتكلّم طفلكم في حياته اليومية.
وإن قيل لكم إنّ الحل هو التوقّف عن التحدّث بلغة البيت، فمن حقّكم أن تسألوا عن تقييم يأخذ لغات طفلكم كلّها في الاعتبار.
المراجع
- Stow, C., & Pert, S. SLT assessment and intervention: Best practice for children and young people in bilingual settings. Royal College of Speech and Language Therapists.
- The Hanen Centre. Speaking more than one language with my child.
- American Speech-Language-Hearing Association. Learning more than one language.
- Muszyńska, K., et al. (2025). Bilingual children reach early language milestones at the same age as monolingual peers. Journal of Child Language.
- Hoff, E., & Core, C. (2015). What clinicians need to know about bilingual development. Seminars in Speech and Language.
- Byers-Heinlein, K., & Lew-Williams, C. (2013). Bilingualism in the early years: What the science says. LEARNing Landscapes.
- Peña, E. D., Bedore, L. M., & Granados Vargas, A. (2023). Exploring assumptions of the bilingual delay in children with and without developmental language disorder. Journal of Speech, Language, and Hearing Research.
- Saiegh-Haddad, E., & Ghawi-Dakwar, O. (2017). Impact of diglossia on word and non-word repetition among language impaired and typically developing Arabic native speaking children. Frontiers in Psychology.
- American Speech-Language-Hearing Association. Multilingual service delivery in audiology and speech-language pathology.
- McLeod, S., Verdon, S., & the International Expert Panel on Multilingual Children’s Speech (2017). Speech assessment for multilingual children who do not speak the same language(s) as the speech-language pathologist. American Journal of Speech-Language Pathology.
قراءات إضافية
- Paradis, J., Genesee, F., & Crago, M. B. (2021). Dual language development and disorders: A handbook on bilingualism and second language learning (3rd ed.).




